دراسات وأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية 14

وفاة السيدة آمنة بنت وهب أم المصطفى صلى الله عليه وسلم

د. مصطفى بوزغيبة

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

     عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من ديار بني سعد، إلى حضن أمه، وموطن حنانه، سعيدا فرحا مؤيدا، ولما بلغ سنه صلى الله عليه وسلم السادسة حن أهل البيت الشريف إلى زيارة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم من بني عدي بن النجار، وكذا زيارة قبر عبد الله أب النبي صلى الله عليه وسلم، ولتتذكر أمه الأيام الجميلة التي جمعتها بعبد الله، خير بيت وخير أسرة، منتهى الشرف والفضيلة، ومأوى الأنوار الجليلة، بيت المحبة والرحمة الذي بزغ منه نور الهداية، وتدفقت منه ينابيع المحبة، وفاضت منه موارد الرحمة للبشرية، فلما رجعت أمه من عند أخواله اشتد عليها المرض فتوفيت بالأبواء،[1] وقبيل وفاتها احتضنت ابنها الجميل، وقرة عينها الجليل، موقنة بمرارة الفراق، ولوعة الاشتياق، وقد رق قلبها أسفا لتركها لابنها صغيرا محروما من عطف الأب والأم وحنانهما، ولم تلفظ أنفاسها حتى باح قلبها عن حبها وعطفها وحنانها الذي تكنه لزوجها الحبيب عبد الله وابنها الوحيد شاهدة له بأن له شأنا عظيما، روى أبو نعيم، عن أم سماعة بنت أبي رهم، عن أمها، قالت: شهدت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت فيها، ومحمد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها، فنظرت إلى وجهه ثم قالت:

بارك فيك الله من غلام    *    يا ابن الذي من حومة الحمام

نجا بعون الملك المنعام    *     فودي غداة الضرب بالسهام

بمائة من إبل سوام      *     إن صح ما أبصرت في منامي

فأنت مبعوث إلى الأنام    *     من عند ذي الجلال والإكرام

تبعث في الحل وفي الحرام    *    تبعث بالتحقيق والإسلام

دين أبيك البر إبراهام    *      تبعث بالتخفيف والإسلام

أن لا تواليها مع الأقوام   *     فالله أنهاك عن الأصنام[2]

 ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة، وذكري باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا، ثم ماتت، فكنا نسمع نوح الجن عليها، فحفظنا من ذلك: 

نبكي الفتاة البرة الأمينه       ذات الجمال العفة الرزينه

زوجة عبد الله والقرينه        أم نبي الله ذي السكينه

وصاحب المنبر بالمدينه     صارت لدى حفرتها رهينه

     فأنت ترى هذا الكلام منها صريحا في النهي عن موالاة الأصنام مع الأقوام، والاعتراف بدين إبراهيم، ويبعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام بالإسلام.[3] 

     فحنان وعطف الأبوة والأمومة وجميع ما تحمله من المعاني السامية من حب وسكينة... قد انقطعت بوفاة أمه صلى الله عليه وسلم في منطقة الأبواء، هذا الموضع الذي تتبوأه السهول وتحل فيه، قد حل فيه جميع معاني الأشواق والحنان والعطف والحب... إنه موضع دفن السيدة آمنة أم الحبيب صلى الله عليه وسلم، هذه السيدة المباركة التي أكرمها الله تعالى بأن تحمل النور الرباني بعدما تسلسل في الأرحام الطاهرة، ولا يحمل هذا النور الطاهر إلا من كان طاهرا ومحل الخير والفضل والإحسان، أكرمها الله تعالى بأن تحمل في أحشائها حبيبه وصفيه، جاد الله عليها بأن يتنعم حبيبه وصفيه في بطنها إلى أن يخرج للوجود نورا متهللا، فلا غرابة أن نجد النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالجيش في  ألف راكب، اتجه نحو قبر أمه،[4] بعد خمسين سنة، وبكى بكاءا شديدا وأبكى من حوله، متذكرا أيام الصبا، أيام الحب الصافي، بكى شوقا وحنينا لأمه العظيمة.

ويظنُّ أنّي قد أميلُ لغيره     أنا وقلبي باسمه مكتوبُ

أنا ما شربتُ الحبَّ إلا مرّةً     والكلُّ بعدكَ كأسهُ مسكوبُ !

وكأن المعنى أن على السالك أن ينقطع عن كل شيء، ويتوجه لمن بيده كل شيء، وهو ما يعبر عنه الصوفية: بالانقطاع عن الخلق والاتصال بالحق، وهذا هو معنى قوله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ) [الضحى/6] قال القشيري: "آواه إلى كنف ظله، ورباه بلطف رعايته"،[5] ويقال: "فآواك إلى بساط القربة بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك في أحد"،[6] وقيل في معنى اليتيم: "هو من قول العرب: درة يتيمة، إذا لم يكن لها مثل، أي: ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته".[7]

ومن المعاني والحكم الربانية في يتمه صلى الله عليه وسلم: "ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة الحق تعالى"،[8] فهو صلى الله عليه وسلم أكرم من أن يكون عليه حق لمخلوق، فهو السيد الكامل صاحب الفضل والجود صلوات ربي وسلامه عليه.

ونختم بقصيدة للإمام العلامة الاديب والشاعر السوسي الفقيه سيدي الطاهر بن محمد الافراني (ت 1374ه) رحمه الله،  كلها محبة وشوق للجناب المحمدي، قصيدة تسيل عذوبة ورقة:[9]

بَرِحَ الخَفَاءُ وصرحَ الوَجــــــــدُ       وبــــَدا الذي ما خِلتُه يــَبــــــدُو

 ذُكر الحمى ونَزِيلُه فَـتـنـــاثرت     دُرَرُ الدُّمُوعِ وأُضْـــرِمَ الـوَقْــدُ

وجَرت صَبَا أنْفَاسِه فَـَـتـَمَايلَت    أهلُ الهـــــوى فكــأنـَّـهـُـم مُـلْـدُ

والمُسْتَهَامُ وإنْ أبان تــَجــلُّــــــــدا     أبدا يَحن إذا جــــرى نـــَـجْــــد

عجبا لقلب لا يذوب إذا شـــــــذا  حادي الحمى ولو أنَّه صَــلـْـد

وإذا أدَارَ المــادحون الكأس مِــــن   مدح النبي فقد بــَــدا الـسَّــعـْـد

فمَديحُ خيرِ الخلق إنْ شَفَّ الظما  جَـــوفَ المـَــشُـوقِ صبابة وِرْدُ

وإذا تنفس في الندي نــســـيـــمـه      هبت بما لم يحـــكــــه الــوَرد

فهو الحُلي لأذن سامـــعـــه وفـي     لهواته الحَلواء والشــــــــهــــــد

فالذكر قد يغني عن اللـُــقــــيـا إذا    طال النوى وتقـادم العـــهــــد[10]



[1] الأبواء، بفتح أوله ومد آخره: قرية جامعة، على واد من أودية الحجاز، به آبار كثيرة ومزارع عامرة، والمسافة بين الأبواء والمدينة ثلاثة وعشرون ميلا، معجم من استعجم، 1/ 102، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد محمد حسن شراب، دار القلم، دمشق، دار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ/1991م، 17.

[2] شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، جمعه ورتبه ووقف على طبعه: بشير يموت، المكتبة الأهلية، المطبعة الوطنية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1353هـ/1934م، 122.

[3] الحاوي للفتاوي، 2/ 210-211.

[4] المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، اعتنى به: صالح اللحام، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1428هـ/2007م، 1/ 494، كتاب الجنائز، رقم الحديث: 1389.

[5] تفسير القشيري المسمى لطائف الإشارات، للإمام القشيري، قدم له: منيع عبد الحليم محمود، تحقيق: سعيد قطيفة، المكتبة التوفيقية، 6/ 299.

[6] المصدر السابق نفسه.

[7] البحر المديد، 8/ 318.

[8] المصدر السابق نفسه.

[9] قال المختار السوسي في المعسول، 7/ 175:  في معرض حديثه عن آثار العلامة الطاهر بن محمد الافراني: "وقال أيضا عام 1319هـ في مجلس هام فيه الحاضرون وجدا". وذكر القصيدة بأكملها.

[10] المعسول، 7/175.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية (15)

نفحات روحية من السيرة النبوية (14)

شروح دلائل الخيرات (6)

نفحات روحية من السيرة النبوية: (13)

شروح دلائل الخيرات (5)

شروح دلائل الخيرات (4)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









نفحات روحية من خلال السيرة النبوية 15 الحبيب صلى الله عليه وسلم وحاله مع جده عبد المطلب

بعد وفاة السيدة آمنة رضي الله عنها في الأبواء، عادت السيدة بركة الحبشية رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فكفله جده عبد المطلب، الذي رق له رقة لم يرقها لولد غيره، وكان عبد المطلب سيدا جليلا مهابا في قومه، و"كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام...

شروح دلائل الخيرات (6)

    من مظاهر الاهتمام بدلائل الخيرات ما وضع حوله من شروح وحواش وتعليقات...تختلف حجما ومنهجا وهدفا، فمنها ما قصد به إفادة المريدين والعامة، وتقريب النص إليهم. ومنها ما صنف لطلبة العلم، إلا أن كثيرا من الشروح لم يصلنا منها إلا الاسم أو وصلت منها نسخ كثيرة البتر والخروم تصعب الاستفادة منها.