دراسات وأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية (11)

د. مصطفى بوزغيبة

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

    لا زلنا في باب مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما فيه من الأسرار والخير والبركات، المحيطة بهذا الحدث العظيم، الذي لم يكن ليمر دون تسجيل عجائب وغرائب حِكم الله تعالى، ونعمه العظيمة، وفضائله الجزيلة، لحبيبه وصفيه سيدنا ومولانا محمد الكريم صلى الله عليه وسلم.

1.السيدة فاطمة أم عثمان بن أبي العاص[1]:

اسمها فاطمة بنت عبد الله، أم عثمان بن أبي العاص الثقفي.

    شهدت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعته أمه آمنة، وكان ذلك ليلا، قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو، حتى أقول: يقعن عليّ.

    وهب الله للسيدة فاطمة بنت عبد الله ابنين من أعظم أبناء هذا الدين، ويعدان من الأمراء اللذان فتح الله على أيديهما مدنا كثيرة وهما: سيدنا عثمان بن أبي العاص أبو عبد الله الثقفي الطائفي، وسيدنا الحكم بن أبي العاص الثقفي، كما أكرمها الله تعالى بابن آخر وهو سيدنا حفص بن أبي العاص الشاعر.

    سيدنا عثمان بن أبي العاص فتح الله على يديه، وهو لا يزال حديث السن، فقد قدم في وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع، فأسلموا، وأمَّره النبي صلى الله عليه وسلم عليهم لما رأى من عقله وحرصه على الخير والدين، فقد أسلم قبلهم، ولزم أبي بن كعب يعلمه القرآن، وكان عثمان بن أبي العاص أصغر الوفد سنّا[2].

    ومن البركات التي نالها من النبي صلى الله عليه وسلم -فكانت سببا في الخير- خدمته للدعوة النبوية على حداثة سنه، ويكفيه شهادة النبي صلى الله عليه وسلم فيه، حيث قال للوفد الذي جاء معه: (إنه  كيّس وقد أخذ من القرآن صدرا)[3]، ويكفيه كذلك شهادة قومه له بالفضل والخير، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (لا نغير أميرا أمّره رسول الله صلى الله عليه وسلم) [4].

    وبقي سيدنا عثمان بن أبي العاص متقلدا منصبه الذي شرفه به النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن التحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، ثم أقره أبو بكر على الطائف، ثم عمر بن الخطاب، ولما أراد أن يستعمل على البصرة رجلا له أهلية كاملة، قيل له: عليك بعثمان بن أبي العاص، فقال عمر: ذاك أمير أمّره رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كنت لأنزعه، قالوا له: اكتب إليه يستخلف على الطائف ويقبل إليك، قال: أما هذا فنعم، فكتب إليه بذلك فاستخلف أخاه الحكم بن أبي العاص الثقفي على الطائف، وأقبل إلى عمر فوجهه إلى البصرة[5].

    سيدنا الحكم بن أبي العاص، يكنى أبا عثمان، وقيل أبو عبد الملك، كان أميرا على البحرين، وذلك أن أخاه عثمان ولاّه عمر على عمان والبحرين، فوجه أخاه الحكم على البحرين.[6]

    سيدنا حفص بن أبي العاص الشاعر، لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وقد روى عنه، وفي ولده أشراف بالبصرة أيضا، وقد روى الحسن البصري عن حفص بن أبي العاص.[7]

 2.السيدة ثويبة، أمة أبي لهب:[8]

    ثويبة مولاة أبي لهب، أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أكرمها الله تعالى بأن أعتقها أبو لهب لما بشرته بمولد ابن أخيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلها وهو بمكة، كما أن سيدتنا خديجة رضي الله عنها تكرمها، ولم تنقطع صلة النبي صلى الله عليه وسلم بها لما هاجر إلى المدينة، فقد كان يبعث إليها بصلة وبكسوة، حتى جاء الخبر أنها ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر، فسأل عن ابنها مسروح، فقيل: توفي قبلها، فقال هل ترك من قرابة؟ فقيل: لم يبق له أحد.[9]

    فحنان النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته كانت شاملة لمن حضر مولده صلى الله عليه وسلم، وشاملة كذلك لمن أسهم فيه بعمل خير، خصوصا السيدة ثويبة التي فرحت بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأسرعت مبشرة مولاها بالمولود الجديد، بالإضافة إلى ذلك كانت لها مهمة جليلة وهي أنها أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم من لبنها، وقد "كانت أرضعت قبله عمه سيدنا حمزة رضي الله عنه، وكان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وأرضعت قبله أيضا أبا سفيان ابن عمه الحارث، وأبا سلمة ابن عبد الأسد، وكان ذلك بلبن ابن لها يقال له مسروح،"[10] فجوزيت من حينها حيث أعتقها أبو لهب.

    خلاصة لما سبق، نستنتج أن كل من حضر مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ونال من بركة هذا الخير العظيم، وأصابه فضل كبير، وامتد هذا الخير والفضل والبركة إلى عقبه إن كان له عقب، وقصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر خير شاهد على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحا﴾، [الكهف/82].

    قال ابن عجيبة: "فيه تنبيه على أن سعيه في ذلك كان لصلاح أبيهما، وفيه دليل على أن الله تعالى يحفظ أولياءه في ذريتهم، قيل: كان بينهما وبين الأب الذي حفظ به سبعة أجداد، قال محمد بن المنكدر: إن الله تعالى ليحفظ بالرجل الصالح ولدَه، وولَدَ ولَده، ومسربته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فلا يزالون في حفظ الله وستره، وكان سعيد بن المسيب يقول لولده: إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ويتلو هذه الآية، (...) ويؤخذ من الآية: القيام بحق أولاد الصالحين، إذ قام الخضر عليه السلام بذلك".[11]

    فكل عمل خير يعمله الإنسان للغير مهما كان، بدون أي اعتبار لجنسه أو لونه أو دينه قد يمتد نفعه وثوابه إلى عقبه، وهذه من تجليات الرحمة المهداة للعالمين، والتعايش الكبير الذي يدعو إليه العمل الإسلامي الأخلاقي الرباني، كما نستفيد أن لفئة الشباب أهمية كبيرة في التربية والتكوين، خصوصا إذا عرفنا قدراتهم الروحية، ومزاياهم العقلية والجسمية والنفسية، واستثمارها فيما ينفع المصلحة العامة، فجل أبناء الذي حضروا مولد النبي صلى الله عليه وسلم تقلدوا مهام عظيمة على حداثة سنهم، مما يدل على نفوذ بركة النبي صلى الله عليه وسلم لهم،  ولا يعني ذلك أبدا التساهل في تربية الأبناء على الخير واصطحابهم لأهل الخير والفضل والصلاح، بل لابد من اتخاذ الأسباب حتى ينشأ الأبناء في أنوار الرحمة والخير والبركات ما داموا صغارا، لأن من شب على شيء شاب عليه.


[1] تنظر ترجمتها في: أسد الغابة، رقم الترجمة: 7189، 7/ 223. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي النمري، صححه وخرج أحاديثه: عادل مرشد، دار الأعلام، الطبعة الأولى، 1423هـ/2002م، رقم الترجمة: 3420، 930. 

[2] ينظر: سير أعلام النبلاء، 2/ 374.

[3] ينظر: طبقات ابن سعد، 7/ 40.

[4] المصدر السابق نفسه.

[5] نفسه.

[6] الاستيعاب في معرفة الأصحاب، رقم الترجمة: 479، 155.

[7] طبقات ابن سعد، 7/ 41.

[8] ينظر ترجمتها في: أسد الغابة، 7/ 47. الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، الطبعة الأولى، 1429هـ/2008م، القاهرة، مصر، 13/ 227-228.

[9] أسد الغابة، 1/ 123، الإصابة، 13/ 228.

[10] نفائس الدرر من أخبار سيد البشر، 1/ 153.

[11] البحر المديد، 4/ 187.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية (15)

نفحات روحية من السيرة النبوية (14)

شروح دلائل الخيرات (6)

نفحات روحية من السيرة النبوية: (13)

شروح دلائل الخيرات (5)

شروح دلائل الخيرات (4)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









نفحات روحية من خلال السيرة النبوية 15 الحبيب صلى الله عليه وسلم وحاله مع جده عبد المطلب

بعد وفاة السيدة آمنة رضي الله عنها في الأبواء، عادت السيدة بركة الحبشية رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فكفله جده عبد المطلب، الذي رق له رقة لم يرقها لولد غيره، وكان عبد المطلب سيدا جليلا مهابا في قومه، و"كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام...

نفحات روحية من السيرة النبوية 14

    عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من ديار بني سعد، إلى حضن أمه، وموطن حنانه، سعيدا فرحا مؤيدا، ولما بلغ سنه صلى الله عليه وسلم السادسة حن أهل البيت الشريف إلى زيارة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم من بني عدي بن النجار، وكذا زيارة قبر