دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (13)

دة. ربيعة سحنون  

 باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة                                    

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

    كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوما يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبّها إلى الباري جلت قدرته.

    ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.

 13) العلامة الكبير والقطب الشهير: سيدي يوسف الفاسي (ت1013)

أُثـِـر عنه من كلامه رضوان الله عليه:

    * واعلم أن كل شيء له كتاب معلوم، ونصيب مقسوم، واصل لمن سبقت له عنايته بحكم مقدر محتوم، على ما شاء وكيف شاء الواحد الحي القيوم، واعلم أن سر الطريق: الوجهة لله عن صدق بما يرضى، ومن حيث يرضى. مع جمع الهمة عليه، ونسيان ما سواه، وليكن الجمع في باطنك، والفرق في ظاهرك، ولتكن في أمرك على وفق مراد الله وسلب اختيارك، تكن عبدا، واعبده لأنك له وبه ولا أنه لك؛ تكن راشدا، ولتكن ملازما لذكر الله، وأفضله: لا إله إلا الله...، ولازم باب الله بكلك وبعضك، ودع ما سوى الله؛ تجد الله، ومن وجد الله ما فقد شيئا، ومن فقد الله ما وجد شيئا. كان الله ولا شيء معه، فاتخذ الله صاحبا، ودع الناس جانبا، لأن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس...[1].

    * اعلم أن المثابرة على الأذكار والدوام عليها تكسب نورانية تحرق الأوصاف، وتثير وهجا وحرارة في الطباع، تخرج عن حد الاعتدال إلى الانحراف، فإن صحب الاعتقاد، وغلب سلطانه؛ كان جبرا محضا، وإن واخى الأحوال؛ كان جمعا صرفا، وإن اقترن بالأعمال؛ رجحت حقيقته، وحادا ومازج الأقوال؛ صار اتحادا. فمن تم أمر عند ذلك بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها كالماء تقوي النفوس، وتذهب وهج الطباع، ولهذا قال بعض الشيوخ: من لم يجد شيخا مربيا؛ فليكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنها لكذلك؛ لما فيها من سرّ الاعتدال الجامع لكمال العبد وتكميله[2].

    * اعلم أن أقرب الطرق إلى الله وأحبها إليه: دوام الذكر. والذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، وهو يثمر أحوالا شريفة، ومقامات عالية منيفة، وعلوما لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قبل مواتا، ويلبس النفس وجنودها ذلة وسباتا. ونظيره إذا وصل للقلب كدخول الماء في الأسراب؛ فإنه يخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر إذا صادم القلب ودخل سويداءه؛ فإنه يخلصه من مساكنة صلصال النفس، ويزيل عن ناظره الغشاوة واللبس، ويصفيه من ملاحظة الأراجيف الغيرية، والأحكام الخلقية، ويرحل به إلى المنازل الدَيْرِيّة، ويحقق له المقامات والمراتب الإحسانية[3].

    * وبالجملة، فهو صلى الله عليه وسلم إكسير السعادة؛ فكل سعيد في الكون، فسعادته بواسطة بركاته عليه الصلاة والسلام، وقرب منزلته من مولاه على حسب استمداده منه. فمن حصل له شرب من ذلك؛ ليس إلا بمدد باطن كلّ على حسب مقامه المُقدّر له أزلاً في سابق علمه على ترتيب مشيئته وتخصيصه، وأما من قصر علمه، ووقف مع حسه؛ إذ لا نفوذ له لغيره؛ فتضرب له الأمثال، ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس﴾، [سورة العنكبوت، آية 43]. فالسر الأحمدي الساري في الوجود، والممدّ لكل موجود؛ كالبحر المحسوس المنبسط على وجه الأرض، وامتدت منه جداول وأنهار، وانتشرت في أقاليم الأرض وسائر الأقطار...، ولك أن تقول: الأنوار الظاهرة على أولياء الله إنما هي من إشراق أنوار النبوءة عليهم؛ فمثل الحقيقة المحمدية كالشمس، وقلوب الأولياء كالأقمار، وإنما ظهر القمر وأضاء لظهور نور الشمس فيه، ومقابلته إياها[4].

    * فهذا الرسول الكريم بعثه الله دليلا عليه، وعرف الخلق الطريق إليه، وردهم إلى بابه الكريم، ونهج بهم الصراط المستقيم؛ فدل على الله بأقواله وأفعاله، وأيقظ الأرواح إلى ملاحظة جلاله وجماله، فلم يخرق حجاب العظمة والوقار، ورفع عن بصائر العارفين حجب الأغيار، وظلم سحائب الآثار، بحجر العقول عن النظر في ماهية الذات وحقائق الصفات، وعقلها بعقال شرعه المستقيم؛ فأودع الله سبحانه نيته هذا السر العظيم، ليكون رحمة ونعمة للوجود، وحياة للأرواح، حيث حجبها عما فيه استهلاكها وفناؤها؛ إذ لا قوة لها على كشف الحقيقة، ولو كشف لها عن ذلك في هذه الدار؛ لتفرقت الموجودات، وتمزقت وتركركت كما تركرك الجبل عند التجلي[5].

    * فعلى العبد أن يرجع إلى ربه، ويشاهده في كل حكم نازل، كما يستدل عليه بكل نجم طالع وآفل؛ من ضر ونفع، وعطاء ومنع. فمتى أعطاك أشهدك برّه. ومتى منعك أشهدك قهره. فهو في كلتا الحالتين متعرف إليك، ومقبل عليك؛ فإياك أن يشغلك الضرر عن معنى صنعه المقدر، فربّك يخلق ما يشاء ويختار، وكل شيء عنده بمقدار، وإلى المشيئة يستند كل شيء، ولا تستند هي إلى شيء، فعلى العبد الرضى والاستسلام، والإذعان عند مجاري الأحكام، فإن أصاب العبد بعض هذه مصحوب الوسائط المكلفة؛ فللعبد القيام بها فانيا عن حظه وطبعه، وعلى أن يظهر حقّ ربّه مدرجا حقه في حقه، يبتغي بذلك مرضاته وامتثال أمره، فإن كان هذا حاله فيا حبذا، وإلا فالأولى تركه طالبا السلامة، فلا يعدل بها شيء[6].

    * واعلم أنه لو كان الناس على القدم الأولى، وما كان عليه السلف الصالح من سلامة الدين، والرسوخ في اليقين؛ لم تر للقوم أورادا موظفة، وأحزابا مكلفة، وهو الذي كان في الأصل، فلما قصرت المقاصد، وذهبت المشارب والموارد؛ جعل الأئمة – رضي الله عنهم – تلك الوظائف للمبتدئين، ومنارا للطالبين، حتى قيل: إنها من روائح الدين ومنسأة له. وأما من قوي يقينه، وانشرح صدره؛ فهو في غنى عن ذلك كله[7].

الهوامش

 

[1] مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن (ونبذة عن نشأة التصوف والطريقة الشاذلية بالمغرب)، أبو حامد محمد العربي ابن يوسف الفاسي الفهري (988-1052ﮬ)، دراسة وتحقيق: محمد حمزة بن علي الكتاني، مركز التراث الثقافي المغربي، الدار البيضاء، المملكة المغربية، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط1، 1429ﮬ/2008م، ص ص: 230-231.

[2] المصدر السابق، ص: 234.

[3] نفسه، ص: 237.

[4] نفسه، ص: 251.

[5] نفسه، ص: 257. 

[6] نفسه، ص ص: 229-230.

[7] نفسه، ص: 232.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

قبسات من درر العارفين (14)

أدب الأذكار: روايات دلائل الخيرات للجزولي(1)

القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

تقرير حول الملتقى العالمي للتصوف: الدورة الثالثة عشرة

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (13)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

    لله درُّ الشاعر عبد الله بن يوسف النجاري المالقي (تـــ 784هـ) لما أنشد أبياتا جميلة في حق القاضي عياض وكتابه الشفا يقول فيها:

وعياض الأعلى قداحا في العلى     منهم وحوله الفخار الأظهر

بشفائــه تشفــى الصــــدور وإنــه     لرشاد نــــار بالشِّهـــاب الـنَيِّر

قبسات من درر العارفين (14)

   صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.