دراسات وأبحاث

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة: سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

د. محمد الهاطي

باحث بمركز الإمام الجنيد

   هو أبو فارس عبد العزيز بن عبد الحق الحرار، والحرار نسبة إلى صناعة الحرير، إذ كانت حرفته في أول أمره. ولد بمراكش أواسط القرن التاسع الهجري، وهو العالم العامل والشيخ الكامل، بحر العرفان ومجمع المآثر الحسان، شيخ المشايخ، وأستاذ الأكابر وجبل الفضل الشامخ، تخرج عليه من أكابر المشايخ ما لا يكاد يحصيه عد أو يحصره حد. سافر إلى فاس ودرس بها، ولقي من أهلها مظاهر الحفاوة والإجلال، وكان مقيما بمدرسة العطارين بعدما كان شيخه الجزولي -من قبل- يقيم بمدرسة الصفارين، وبقي بها إلى أن لقي الشيخ علي بن محمد صالح الأندلسي فعاد إلى بلده مراكش.

    صحب سيدي عبد العزيز التباع الإمام الجزولي وأخذ عنه وأقام عنده بزاويته "بأفوغال"، كما أخذ عنه حين قدومه إلى مراكش، وبعد مقتل الإمام الجزولي التحق التباع بشيخه الثاني سيدي محمد الصغير السهلي، ولازمه بزاويته بخندق الزيتون بأحواز فاس مدة ثمان سنوات يخدمه ويأخذ عنه إلى أن أذن له بالعودة إلى بلده مراكش.

    بلغ الشيخ التباع من الصلاح والولاية مكانة يعز على الوصف بلوغ مداها، ويعلو على ارتفاع الشأن وشهرة الصيت نداها، حتى قيل في حقه: "النظرة فيه تُغني". تخرج على يديه فطاحل العلماء والمشايخ؛ من أشهرهم: الشيخ سيدي عبد الله الغزواني صاحب ديوان "النقطة الأزلية" وأحد رجالات مراكش السبعة، والشيخ سيدي عبد الكريم الفلاح، وسيدي رحال الكوش، وسيدي سعيد بن عبد المنعم، والشيخ سيدي محمد بن عيسى دفين مكناس وغيرهم.

كما اشتهر الشيخ التباع بنظم الشعر الصوفي، ومن ذلك قوله:

زيارة أهــل التقى مرهــم يبري     ومفتاح أبواب الهدايـة والخير

وتُحدث فــي القلب الخلـي إرادة     وتشرح صدرا ضـاق من سعة الوزر

ومما ينسب إليه كذلك قوله:

لله في الخلق مــا اختارت مشيئته      مــــا الخير إلا الــــذي يختـــاره الله

إذا قضـــى الله فاستسلــم لقدرتــه      مــــا للمرء حيلـــة فيمـا قضى الله

تجــري الأمـــور لأسبـــاب لهــا علل      تجـــري الأمــــور على مــا قدر الله

إن الأمـــــور وإن ضـــاقت لهــــا فـرج     كــــم مــــن أمــــور شداد فرج الله

يا صــــاحب الهـــم إن الهم منفــرج      أبشــــر بخيــر فـــــإن الفـــارج الله

تــــا الله مـــا لك غيــــر الله من أحــــد     ولا يصيبــــك إلا مــــا قضـــــى الله

اليــــأس يقطـــع أحيانــــا بصاحبــه      لا تيــــأس فــــإن الصــــانـــع اللــه

الله لـــــي عــــدة فــي كــل نازلــة      أقــــول في كل شيء حسبي الله

   توفي سيدي عبد العزيز التباع –رحمه الله- في السادس من ربيع الثاني عام 914 هـجرية، ودفن بحومة المواسين بمراكش، وقبره إلى الآن يعد مزارة كبرى ضمن مسلك زيارة سبعة رجال الشهيرة.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

قبسات من درر العارفين (14)

أدب الأذكار: روايات دلائل الخيرات للجزولي(1)

القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

تقرير حول الملتقى العالمي للتصوف: الدورة الثالثة عشرة

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (13)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

    لله درُّ الشاعر عبد الله بن يوسف النجاري المالقي (تـــ 784هـ) لما أنشد أبياتا جميلة في حق القاضي عياض وكتابه الشفا يقول فيها:

وعياض الأعلى قداحا في العلى     منهم وحوله الفخار الأظهر

بشفائــه تشفــى الصــــدور وإنــه     لرشاد نــــار بالشِّهـــاب الـنَيِّر

قبسات من درر العارفين (14)

   صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.