دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (7)

دة. ربيعة سحنون        

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

    كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوما يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبّها إلى الباري جلت قدرته.

    ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.

 7) حامل راية التصوف بالصفاء، ونخبة الأكابر من غير خفاء: أبو بكر البناني (ت1284)

    تفتقت قريحته الربانية رحمة الله عليه، فتدفقت دررا ولآلئ نفيسة، دونها السابق للاحق، لتكون القدوة والمنهج والطريق، فلنصغ بإمعان إلى فيوضات أهل الله العارفين، يقول رضي الله عنه:

    - إن أفضل ما تروحت به قلوب أهل الصدق والوداد، وأجمل ما تتنافس فيه أسرار أهل الجد والاجتهاد كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله. وإني رأيت كل من نور الله بصيرته قد استغرقوا أعمارهم في جنابه العالي، ما بين متعبد بتلاوة كلامه، ومؤلف لما افترق من جمله، ومفسر لألفاظه، ومعبر عن معانيه، ومشير إلى أسراره، وكل واحد وما طياه الحق له، من لدن قديم، كما جرت بذلك سنة الحكيم العليم[1].

    - اعلم أيها الفقير أن طرق الحق كثيرة، حتى قيل من كثرتها أنها على عدد أنفاس الخلائق. وأقرب الطرق وأخصرها هو ذكر الله تعالى، إذ قد علمت يا فقير أن هذه النشأة الإنسانية قد خلقها الله في أحسن تقويم، حتى إنها من حسن تقويمها وكمال تسويتها تقبل المعوج والمستقبح، وكان الإنسان في حال البروز إلى الوجود على أكمل أحواله، نعني قد استوت فيه الأضداد، العلم والجهل...، فكان الإنسان في حال الولادة الحسية قابلا لما يلقى إليه. فإن ألقي إليه ما يقويه في بلاد الفطرة تقوت فطرته ونشأ في الهداية، وإن ألقي إليه ما يقويه في بلاد الجهل قبله ونشأ في غاية الضلالة والغواية[2]

    - فمدار الطريق أيها الفقير على ذكر الله في البداية والنهاية. فمن أشرقت بدايته بذكر الله أشرقت نهايته بنعت بلوغه إلى جنة العرفان، ومن حرم الذكر بداية عوقب بالانقطاع في النهاية. فأربح التجارة ذكر الله، وأخسر التجارة ذكر الناس والاشتغال بحديث الدنيا وأهلها...، الحاصل أيها الفقير أن ذكر الله تعالى هو براق السائر الذي يزجه في حضرة المذكور، بنعت الخروج من عالم الغفلة إلى عالم اليقظة، فمن أسعده الله وفقه لذكره، ومن خذله أغفله عن ذكره[3].

    - اعلم يا فقير أن صاحب الصدق الحقيقي هو الذي يعرف الرجال بالحق، لا من عرف الحق بالرجال، نعني أن معرفة الحق من الباطل لا تكون إلا بمشاركة أهل الحق في رتبة الحق، فإنك بوجود المشاركة في الرتبة تكون عارفا للحق معرفة اليقين، تعطي المراتب حقها، ولا تلتبس عليك أحوال المقامات، إذ قد علمت أن كل مقام له حلة من حلل العبودية تليق به، ولا يُعرف ذلك إلا بوجود المشاركة في الرتبة، وأما إذا لم تحصل المشاركة، وجعل الإنسان يزن على صاحب الرتبة بما سطره الناس وقيدوه، فإن ذلك لا ينضبط له ولا تستقيم له القواعد الخارجية فيما يراه، لأن ذلك ظن وتخمين، إذ قد قدمنا أن الأحوال تختلف باختلاف المقامات، والمقامات تختلف باختلاف التجليات، والتجليات تختلف باختلاف القوابل[4].

    - كذلك من اعتنى بالظواهر وأقبل على أنواع النسك، وغفل عن تصفية نفسه وتهذيبها، حتى يتطهر سره من رؤية السوى، الذي هو عين ما سواه، فإن الحق لا ينظر إلى قلبه، نعني لا يتجلى له بأنوار صفاته، ولا يحظى بذوق حلاوة مناجاته[5].

    -  اعلم أيها المريد أن أشد الناس عليك فسادا في العقدة صحبة من لا يدلك على الله، فيدخل في هذا كل واحد واحد، وأكبر الناس فسادا من تجد الحقائق تنهمر من لسانه كالماء، وهو من عملها خال، بل لو وزنت عليه بعمل العامة ما وجدت عنده شيئا. وهذا أيها الفقير تجب عليك فرقته من عداوته، لأنه عدو لله ولك، يقسي قلبك بكلامه، ويصدك عن الله بحاله، وهذا أشد ضررا عليك من الشيطان، وهذا هو المقول فيه شيطان الطريق. تجده إذا أراد أن يحدثك يبدي لك أحوال نفسه، وأنه جال في ميادين الرجال، وحصل على مقامات أهل الكمال...، فتمسك يا فقير بالعروة الوثقى التي هي الشريعة، فإنها المحجة البيضاء التي لا يضل من سلكها، وكل من لم يذكرك بها وفيها فلا تعبأ به[6].

    - فإن أردت أيها الفقير الدخول في زمرة الأولياء فحقق فقرك وفاقتك من كل شيء، واجلس على بساط الذل والاضطرار جلسة رجل عزاه الله بقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾. [سورة القصص، الآية 88]، وبقوله: ﴿كل من عليها فان﴾، [سورة الرحمن، الآية 26]. فالعاقل يا فقير هو الذي تعزى بعزاء الله، فلم يحتج إلى عزاء غيره. وكل من لم يجلس في مقام التعزية وأراد أن يعرف أسرار الربوبية، فاعلم أنه مغرور وخال من النور، ولا شك أن نقطة من ماء الحس تطفي بحورا من المعاني، والضدان لا يجتمعان. فجدد يا فقير عقدة المجاهدة في خدمة الكبير المتعال، ولا تأخذ فرصة التسويف، فإنها سيف صارم، وجدد التوبة مع مرور الأنفاس، لعلك أن تلحق برتبة الناس، فإن المفتاح بيدك، والباب لديك[7].

    - اعلم يا فقير أن هذا الطريق عويص شديد المرتقى، لا يسلكه إلا رجل امتطى مطية المحبة والصدق. وأما من رام أن يسير فيه وهو ضعيف المحبة والصدق أو لا نية له ولا صدق، فإنه لا محالة تنفد نفقته وزاده في الطريق، ويبقى في واد التيه. وأما صاحب النية والصدق، فإنه يرتقي بحول الله وقوته في أدنى مدة، حتى إنه ليقطع في النفس الواحد ما لم يقطعه صاحب العمل الكبير.

    فالمحبة والصدق إذا حضرا حضرت الطريق، وإذا فقدا فقدت الطريق، وقد علمت أن المحبة إذا حصلت في الباطن، فإنها لا محالة توجب خدمة الظاهر، والصدق إذا انعقدت عقدته في الباطن ظهر أثره في أوجه المعاملات والأحوال، وإذا حصلت هذه الأحوال، حتما أن صاحبها يرتقي بها إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى في نفس أو نفسين[8].

الهوامش

 

[1] اللمعات الصوفية في كشف بعض الأسرار النورانية، ويتضمن: كتاب بلوغ الأمنية في شرح حديث إنما الأعمال بالنية، كتاب الفتوحات الغيبية في حل ألفاظ الصلاة المشيشية، كتاب شرح أبيات تطهر بماء الغيب، أبو بكر البناني (ت1284ﮬ)، تحقيق وتقديم: عبد الرحمن الحداوي، وإسماعيل المساوي،  كتاب ناشرون، بيروت، لبنان، ص:  18.

[2] بغية السالك وإرشاد الهالك،  ويليه الحكم، وتليه قصيدة هدية المريد، أبو بكر البناني، تحقيق وتقديم: عبد الرحمن الحداوي، وإسماعيل المساوي،  كتاب ناشرون، بيروت، لبنان، ص: 17.

[3] المصدر السابق، ص ص: 21-22.

[4] نفسه، ص: 23.

[5] نفسه، ص ص: 29-30.

[6] نفسه، ص ص: 37-38.

[7] نفسه، ص ص: 43-44.

[8] نفسه، ص: 47.  



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (12)

سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان

نفحات روحية من السيرة النبوية (8)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (12)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة: سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

     هو أبو فارس عبد العزيز بن عبد الحق الحرار، والحرار نسبة إلى صناعة الحرير، إذ كانت حرفته في أول أمره. ولد بمراكش أواسط القرن التاسع الهجري، وهو العالم العامل والشيخ الكامل، بحر العرفان ومجمع المآثر الحسان، شيخ المشايخ، وأستاذ الأكابر وجبل الفضل الشامخ، تخرج عليه من أكابر المشايخ ما لا يكاد يحصيه عد أو يحصره حد. سافر إلى فاس ودرس بها، ولقي من أهلها مظاهر الحفاوة والإجلال، وكان مقيما بمدرسة العطارين بعدما كان شيخه الجزولي -من قبل- يقيم بمدرسة الصفارين، وبقي بها إلى أن لقي الشيخ علي بن محمد صالح الأندلسي فعاد إلى بلده مراكش.