دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (4)

دة. ربيعة سحنون      

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة. وجدة

   صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

   كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوما يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبّها إلى الباري جلت قدرته.

ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.

4) فرد الأولياء: محمد بن أحمد البوزيدي (ت1229)

من كلامه رضي الله عنه:

• اعلم يا أخي أرشدنا الله وإياك أن بالأدب تطوى المسافة، وبه يذهب عنك ما في الطريق من المخافة، والصوفية رضي الله عنهم لا يعرفون ولا يتميزون إلا بالأدب، إذ الشرائع كلها أدب مع الحقيقة، ولولا الأدب ما ظهرت أسرارها، ولا أشرقت أنوارها، وليس في الوجود سوى الحقيقة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. [سورة الزلزلة، الآيتين 7-8]، وقوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾. [سورة الإسراء، الآية 7]، وقوله تعالى: ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيرا﴾. [سورة الأنفال، الآية 70]...، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأدب مع الجميع، فضلا مع أوليائه تعالى، فعلى المريد أن يلزم نفسه الأدب، لينال من أسرار القريب المجيب، وبالأدب الظاهر يحصل أدب الباطن أعني التعظيم، إذ سوء الأدب ينشأ عن عدم التعظيم، وعدم التعظيم من ضعف المحبة، وضعف المحبة من التفات القلب إلى الغير، فلو حصلت المحبة لحصل التعظيم، ولو حصل التعظيم لحصل الأدب، ولو حصل الأدب لحصل التحقيق...[1].

• فاسلك يا أخي على يد شيخ عارف لتخرج من طبع الجهل إلى طبع العلم، ومن طبع العلم إلى طبع المعلوم، حتى يحليك ويخليك، ويقربك ويوصلك، ويهنيك ويتركك وربك، وما ذلك على الله بعزيز[2].

• ولا يكون الفقير فقيرا حتى يكون كاملا ذاتا وصفة، أعني: ظاهرا وباطنا، فإن لم يكن على هذا الحال، بطل فقره عند المحققين، لأن الظاهر هو الذي يشهد لصاحبه بما في باطنه. وأيضا أما يستحي أن يكذب خلق الله حين ينادونه بما ليس فيه، فيقولون له: يا فقير! هذا التكذيب حقيقة. وأما شريعة: فكذبه عليه. فانتهر نفسك يا أخي! ظاهرا وباطنا، وإياك والتصنع والتزين بالأقوال دون الأفعال والأحوال، وتخلق بأخلاق الفقراء الذين وصفهم  الله في كتابه العزيز، وإلا فستفضح: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾.[سورة الحشر، الآية 8].[3].

• فإياك يا أخي والتخلق بأخلاق العوام: اللسان يضحك، والقلب يشرك، ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾. [سورة آل عمران، الآية 167]، وهذه صفة أهل الهزل، وأما صفة أهل الجد فالظاهر عنوان الباطن. واعلم أن الطريق إلى الله تعالى طريق جد، ومن لم يكن صاحب جد لا ينال منها شيئا، فينبغي للمريد أن يجاهد نفسه في الخروج من وادي النفاق، وأكثر ما يقع للمدعين والجبابرة وأرباب أهل الدنيا[4].

• ولا تظن أن كل من دخل عند العارفين دخل بالنية والصدق، فإن النية أمر عظيم، فما بالك بالصدق؟ بل الداخلون على ثلاثة أقسام: منهم من دخل بالنية والصدق، ومنهم من دخل بالنية دون الصدق، ومنهم من دخل بغير نية ولا صدق. فصاحب النية والصدق فتحه بمجرد وصوله، وصاحب النية فتحه بعد وصوله، والذي لا نية له ولا صدق يطول فتحه، لأنه يحتاج إلى معالجة كبيرة[5].

• وينبغي لطالب الصدق أن يصحب شيخا عارفا بالله تعالى، يسلك به مقام الخوف من الله تعالى، حتى يضعف حجابه الكثيف، فيستحضر الآخرة في كل وقت وحين، ويرى الدنيا كأنها لم تكن، ويرى النار كأنها إنما خلقت لأجله، ويرى أنه يستحق النار بأفعاله القبيحة، ثم يسلك به مقام الرجاء حتى يرى الجنة كأنها إنما خلقت لأجله، ثم يجمع بينهما[6].

• فصاحب العبادة أدبه ظاهر غير باطن. وصاحب العبودية أدبه ظاهر وباطن، لأنه عرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه فني في محبته، ومن فني في محبته زال عن حوله وقوته، وتأدب معه سبحانه بكمال الأدب. وهذه علامة النفس الروحانية التي تخلصت من رؤية السوى، ولذلك صار الأدب طبعها، لأن الأدب قديم وهو وصف الروح، وما خرجت هذه الروح من الأدب إلا بسبب بعدها، وبسبب سوء أدبها سميت نفسا، وإذا رجعت لأصلها: سميت روحا. وهي السر المصون الذي لم يطلع عليه أحد سواه. وأهل العلم بالله  يشيرون إلى سرها، ولا يصرحون إلا عند غلبة الحال، وذلك حياء من الله تعالى، إلا حيث قال جل جلاله: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾. [سورة الإسراء، الآية 85]. معناه – والله أعلم – لا يصرحون بحقيقتها، لأنها من أسرار الألوهية، وكشف سر الألوهية كفر: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. [سورة الإسراء، الآية 85]. معناه – والله أعلم – ما علمتم من علمها إلا قليلا بالنسبة لعلم الله بها، ورسوله صلى الله عليه وسلم[7].

• والنفس في الحقيقة هي الروح، لكن تاهت عن سرها، وبعدت عن ربها، وحجبت عن قدرها وشرفها، فسميت نفسا...، ولا يشك في هذا الأمر إلا من لا معرفة له بعلم الذوق، ومن لا ذوق له لا يفرق بين النفس والروح والسر. والنفس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إذا كانت في مقام الحجاب الكثيف سميت أمّارة. وإذا تلطف الحجاب عنها سميت عقلا، لأنها تعقل عن الله، والعقل موضع الطاعة لله عز وجل. وإذا زاد في التلطيف سميت قلبا، والقلب موضع الخشية، والزهد، والورع، والحلم، والصبر، وغير ذلك من سائر الأحوال والمقامات. ثم الروح أيضا تنقسم إلى ثلاثة: فإذا استشرفت علم العلم بالله سميت: روحا عالمة. وإذا وصلت سميت: روحا واصلة. وإذا تمكنت سميت: روحا كاملة، وسرا من أسرار الله تعالى[8].

• ولا تنظر أيها الأخ لشدة العلم، وانظر للإخلاص إن حضر، فأقل العلم وأقل العمل يكفي، وإن غاب، فالله يعظم الأجر في صاحبه. والإخلاص أمر قلبي لا قالبي، وصاحبه لا تجده إلا كالأرض، فإن وجدت فقيرا أو عالما، أو عابدا منكسرا، حقيرا، ذليلا، فقيرا، ضعيفا، متحققا بوصفه، فاعلم أنه نازل في مقام الإخلاص. وإن وجدته متكبرا غنيا بعلمه أو بعمله، أو بدنياه، أو بنفسه، فاعلم أنه من أهل الإفلاس، لا يعرف الإخلاص ما هو؟ والإخلاص هو المأمور به في الكتاب والسنة. قال جل من قائل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾. [سورة البينة، الآية 5]، والإخلاص قلّ من يتكلم عليه في زماننا هذا[9].

الهوامش

 

[1] الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية، محمد بن أحمد البوزيدي (ت1229ﮬ)، ضبطها وصححها وعلق عليها: عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1427ﮬ/2006م، ص ص: 9-10.

[2] المصدر السابق، ص: 16.

[3] نفسه، ص: 22.

[4] نفسه، ص: 27.

[5] نفسه، ص: 32.

[6] نفسه، ص: 33.

[7] نفسه، ص ص: 103-104.

[8] نفسه، ص ص: 106-107.

[9] نفسه: ص: 107.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

قبسات من درر العارفين (10)

قبسات من درر العارفين (9)

الطوائف الصوفية وأسانيدها

من شيوخ العلم والتصوف بالمغرب: العلامة امحمد الحضيكِي (1)

من شيوخ العلم والتصوف بالمغرب: العلامة امحمد الحضيكِي (2)

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (10)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة سيدي يوسف بن علي الصابر الذي نَصب نفسه غرضا لسهام القضاء

     هو يوسف بن علي الصنهاجي، ولد بمراكش وقضى بها معظم حياته، أصيب بالجذام حتى لقب بالمبتلى، وأصبح يضرب به المثل في الصبر، إلى حد تشبيهه بالنبي أيوب -عليه السلام-، حلاه العلامة سيدي الحسن اليوسي في القصيدة "العَيْنِية"، التي...