دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (2)

دة. ربيعة سحنون      

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة. وجدة

   صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

   كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوماً يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبها إلى الباري جلت قدرته.

   ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.  

2) خُلاصة الأبرار من العارفين الأخيار: أبو مدين شعيب الغوث

* قال الشيخ أبو مدين رحمه الله لواعظ كان ديدنه الوعظ عن طريق الترهيب: لا تقنط الناس وذكرهم بأنعم الله.

* وقال: من خدم الصالحين ارتفع بخدمته.

* كان رضي الله عنه يقول: شاهد مشاهدته لك، ولا تشاهد مشاهدتك له.

* كان يقول أيضا: القريب مسرور بقربه والمحب معذب بحبه.

* وكان يقول رحمة الله عليه: من تحقق بعين العبودية نظر أفعاله بعين الرياء، وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء.

* ومن كلامه رضي الله عنه: أسماء الله تعالى بها تعلق وتخلق وتحقق، فالتعلق الشعور بمعنى الاسم، والتخلق أن يقوم بك معنى الاسم، والتحقق أن تفنى في معنى الاسم.

* وقال رضي الله عنه: لا يصلح سماع هذا العلم إلا لمن حصلت له أربعة: الزهد، والعلم، والتوكل، واليقين[1].

* وقال: الحق تعالى مطلع على السرائر والضمائر في كل نفس وحال. فأي قلب رآه مؤثرا له، حفظه من الطوارئ والمحن ومضلات الفتن.

*  قال في موضع آخر: من رأيته يدعي مع الله تعالى حالا لا يكون على ظاهره شاهد منه فاحذره.

* وقال رضي الله عنه: اجعل الصبر زادك، والرضا مطيتك، والحق مقصدك ووجهتك[2].

* قال رحمه الله عن التصوف: ليس التصوف بتشهيد الأحكام ولا بتدريج الأقدام، وإنما التصوف: بسلامة الصدور، وسخاوة النفوس، والاقتداء بالمُنزَّل، والعمل بالمُرْسَل[3].

* وذكر رحمة الله عليه علامات الفقير، فقال: محبته للعلماء، وخدمته للفقهاء، وصحبته للفقراء، إن نظر اعتبر، وإن تكلم ذكر، وإن سكت تفكر، القرآن عن يمينه، والسنة عن شماله، لا يرجو غير الله، ولا يخاف لومة لائم.

*  وقال عن صفات المريد: وينبغي أن يكون المريد زاهدا مرضيا، بشوشا طائعا، باكيا حزينا على ما فات من طاعة ربه، حليما، باقيا مع الصفات المحمودة، منحرفا عن الصفات المذمومة...، ويرحم المسكين، ويعطف على الجار، ويزور القبور، ويصل الرحم، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويمشي إلى المساجد، ويتحفّظ على الأوقات، وينظف المطعم والمشرب والملبس والمسكن من الحرام، ويجتنب الأيمان الكاذبة، ويبعد عن الظلم وأهله وخلق السوء، ويشتغل بعيب نفسه عن عيوب الناس، ويستغفر من وسوسة الشيطان ويتوب بتوبة صادقة، ويحج الفريضة ويحب الجهاد. فهذه هي صفات الفقير الصادق[4].

*   سئل رضي الله عنه عن الحب، فقال: أوله دوام الحب، ووسطه الأنس بالمذكور، وأعلاه أن لا ترى سواه.

* وكان يقول: شتّان بين من همّته الحور والقصور، وبين من همته رفع الستور ودوام الحضور.

*  وكان رضي الله عنه يقول: حسن الخلق معاشرة كل شخص بما يؤنسه ولا يوحشه مع العلماء بحسن الاستماع والافتقار، ومع أهل المعرفة بالسكون والانتظار، ومع أهل المقامات بالتوحيد والانكسار.

* وقال أيضا: من رُزِق حلاوة المناجاة زال عنه النوم، ومن اشتغل بطلب الدنيا ابتُلِي فيها بالذل، ومن لم يجد من قلبه زاجرا فهو خراب.

* وكان يقول: عمرك نفَس واحد، فاحرص أن يكون لك لا عليك، ليس للقلب إلا وجهة واحدة، فمهما توجه إليها حجب عن غيرها[5].

* وقال رضي الله عنه: العارف لا يزال يترقّى، ومن نفائس اللطائف يتلقّى، وليس له التفات إلى كيت وكيت، ولا يقنع من البيت إلا برب البيت.

* سئل رضي الله عنه عن الشيخ المحقق، قال: الشيخ هو الذي شهدتْ له ذاتك بالتقديم، وسرّك بالاحترام والتعظيم، الشيخ من هذّبك بأخلاقه، وأدّبك بإطراقه، وأنار باطنك بإشراقه.

* وقال: التوحيد سرّ قوي الإشراق، يرفع الهمة بحسن الأخلاق، وهو حياة، وما سواه ممات[6].

* ومن أدعيته رضي الله عنه في الاستخارة: اللهم إن العلم عندك وهو محجوب عني، ولا أعلم أمرا أختاره لنفسي، فقد فوضت إليك أمري، ورجوتك لفاقتي، فأرشدني اللهم إلى أحب الأمور إليك، وأرضاها عندك، وأحمدها عاقبة، فإنك تفعل ما تشاء بقدرتك، إنك على كل شيء قدير[7].

[1] شيخ الشيوخ أبو مدين الغوث، حياته ومعراجه إلى الله، عبد الحليم محمود، دار المعارف، القاهرة، ص ص: 102-103.

[2] أنس الفقير وعز الحقير في التعريف بالشيخ أبي مدين وأصحابه رضي الله عنهم، أبو العباس أحمد بن الحسين القسنطيني الشهير بابن قنفذ (740-810ﮬ)، تحقيق: أبو سهل نجاح عوض صيام، تقديم: علي جمعة، دار المقطم للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1422ﮬ/2002م، ص: 53.

[3] أنس الفقير وعز الحقير، ص: 26.

[4] المصدر نفسه، ص ص: 26-27. 

[5] المطرب بمشاهير أولياء المغرب، التليدي، ص ص: 76-78.

[6] المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى، أحمد التادلي الصومعي، تحقيق: علي الجاوي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، أكادير، 1996م، ص: 146.

[7] المصدر نفسه، ص: 147.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة

نفحات روحية من السيرة النبوية (6)

قبسات من درر العارفين (8)

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

 

 

 

 

 

 









شذرات من سير رجالات مراكش السبعة الأنوار اللامعات في التعريف بصاحب دلائل الخيرات

   ولد سيدي امحمد بن سليمان الجزولي، الشريف النسيب سنة 807 هجرية،  وقضى طفولته بمسقط رأسه جزولة من إقليم سوس. ازداد شغف هذا الطالب السوسي إلى مزيد الارتشاف من ينابيع العلم الصافية، فتحمل المشاق، واسترخص الغالي والنفيس في سبيل ذلك، وانخرط في مواكب الرحلة إلى مظان العلم ومراكزه آنذاك. ليُلقي عصا التسيار بفاس، فالتحق بمدرسة الصفارين التي عاش بها حياة العزلة والتأمل، إذ لم يكن يُدخل أحدا إلى غرفته التي كان يخلو فيها بنفسه. بعدها سيشد الجزولي الرحال إلى المشرق، هناك سيمكث زهاء سبع سنوات باحثا عن الشيخ المربي،  ليقفل راجعا إلى فاس من جديد.

نفحات روحية من السيرة النبوية (6) إرهاصات قبل مولد سيد السادات صلى الله عليه وسلم

    هاجر اليهود إلى مكة والمدينة ينتظرون ولادة النبي الخاتم أحمد صلى الله عليه وسلم الموجودة أوصافه في التوراة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. [الصَّف/6]، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "يعني: التوراة قد بشرت بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي، وهو الرسول...