دراسات وأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بالخزائن العلمية الأسرية بالجنوب المغربي (3)

د.محمد الهاطي

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد

      اشتهرت منطقة سوس كباقي مناطق المغرب ببروز بيوتات  توارث  أبناؤها العناية بشتى أصناف العلوم، فخلفت هذه الأسر العلمية تركة غزيرة من التأليف والمصنفات شكلت النواة الأولى لبناء خزائنها  العلمية، وقد أحصى المختار السوسي في كتابه: "سوس العالمة" من الأسر نحو من مائتي أسرة علمية؛ وذكر أن لكل أسرة من هذه الأسر خزانة خاصة بها، ومنها هذا الخزائن نذكر:  المسعودية بالمعدر، والأدوزيات بأدوز أيت ودريم، والإيلغية بإيليغ، والإلغيات بإلغ، والجشتيمية بأكشتيم، والتدسية بتيدسي... كما ذكر في كتابه "خلال جزولة" طائفة أخرى من الخزائن الأسرية أبرزها: خزانة الطاهر الإفراني، خزانة الزاوية الأقاوية، خزانة تانلت، خزانة الوفقاوي، خزانة ابن طيفور، خزانة الإفراني بتزنيت...  

   سنحاول في هذا المقال بعد أن بسطنا الكلام في الحلقات الماضية من هذه السلسلة من المقالات التي خصصنها للتتبع التراث الصوفي بأشهر الخزائن العلمية ببلانا، استكمال الحديث عن خزائن أخرى بمنطقة سوس لا تقل قيمة عن كبريات الخزائن المشهورة.

1- الخزانة الأزاريفية:

     تعد هذه الخزانة من أعرق الخزائن العلمية الأسرية بمنطقة سوس والجنوب المغربي عامة، ارتبط اسمها بأسرة علمية شهيرة يرتفع نسبها إلى الشيخ إبراهيم أفلول -الجد الأعلى للأسرة- الذي عاش في بداية القرن التاسع الهجري، وقد ذكر العلامة محمد المختار السوسي في كتابه المعسول أكثر من 82 رجلا من هذه الأسرة كلهم من فطاحل عالما[1] منهم: محمد بن يحيى الأزاريفي (تـ1164هـ) الذي ألف تآليف عدة في الفقه والطب والتصوف خاصة، ككتاب "العزيمة في سلوك الطريقة المستقيمة"، و"القمع في تهذيب الطبع"، وله كذلك مؤلفات في "سلوك منهج التصوف بالأمازيغية"...

   وقد تخرج على يده الكثير من العلماء كالمؤرخ أحمد بن عبد الله الحضيكي (تـ1189هـ) .

   كما ورد ذكر هذه الخزانة أيضا في العديد من المصادر، وأحال عليها العديد من المفهرسين والمؤرخين الذين أجمعوا على أهميتها وقيمة التاريخية، كما عدها السوسي من بين الخزائن العلمية التي تزخر بالنوادر يقول: « وبقيت نحو ثلاثة أيام [بهذه الخزانة] ولا شغل لي إلا أن يؤتى لي بأكداس من الكتب الخطية ... وقد رأيت منها نوادر»[2].

     وحسب الشيخ الحاج محمد الشبي – فقيه مدرسة أزاريف ومالك الجزء الأكبر من مخطوطات هذه الخزانة- الذي صرح لي أن الأرصدة المخطوطة بهذه الخزانة تفوق الخمسمائة كتاب مخطوط في مختلف المعارف والفنون. كما علمت أثناء زيارتي للمنطقة التي تتواجد بها الخزانة أن بها مجموعة من المصنفات الصوفية المخطوطة التي ترجع للرواد الذين أصلوا للتصوف؛ كاللمع للطوسي والتعرف للكلاباذي وعوارف المعارف للسهروردي والرسالة القشيرية والمنقذ من الضلال للغزالي... وبها أيضا مخطوطات صوفية لبعض رجالات الصلاح والولاية بمنطقة سوس ممن كانت تربطهم علاقات وطيدة مع علماء وفقهاء الأسرة الأزريفية. إلا أن المؤكد أن أغلب محتويات الخزانة الأزريفية قد تعرضت للتقسيم مرات متعددة بين الورثة، كما أن أجزاء كبيرة منها لا تزال مكدسة في الصنادق مما يجعلها عرضة للأرضة والالتصاق والمحو، بل إن كثيرا من الكتب الصوفية المخطوطة سقطت منها أوراق في أحد طرفيها أو في كليهما، وبعض أغلفتها منفصلة عنها.

ومن أبرز الكتب المخطوطة الأخرى المتواجدة بهذه الخزانة نذكر:

- في القرآن وعلومه: كتاب" التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام" لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي (تـ581هـ)

- في الحديث وعلومه : كتاب "تقييد المهمل وتمييز المشكل بأسماء رواة الحديث" للحسن بمحمد الغساني الحياني (تـ427هـ).

- في أصول الفقه : كتاب "شرح المنهج المنتخب" لأبي العباس أحمد بن علي المنجور (تـ995هـ).

- في الفقه: كتاب "العمري على العمل الفاسي" لأبي عبد الله محمد بن القاسم الفيلالي السجلماسي (تـ1214هـ)

في السيرة النبوية: كتاب "المواهب اللدنية في المنح المحمدية" لشهاب الدين أحمد القسطلاني.

2- الخزانة الأدوزية:

     تُنسب هذه الخزانة إلى أسرة[3] مشهورة بالعلم والصلاح والتصوف في منطقة سوس، استقر أحد رجالاتها - وهو عبد الله  بن يعقوب السملالي- في بداية الأمر ببلدة "سملالة"، وانتقل أحفاده بعد ذلك إلى "أدوز" إحدى قبائل "إدو باعقيل" القاطنة بأحواز مدينة تزنيت. وقد أسهم علماء هذه الأسرة في حركة التأليف بالمنطقة، كما يرجع لهم الفضل في تنمية ذخائر هذه الخزانة، ومن أشهرهم: العلامة يبورك بن عبد الله بن يعقوب (تـ1058هـ)، والشيخ العربي بن إبراهيم الأدوزي (تـ1286هـ) وغيرهما. كما يرجع الفضل لبعض رجالات هذه الأسرة وعلمائها في توطيد دعائم الطريقة الناصرية بمنطقة سوس.

    ويمكن تحديد الخزانة الأدوزية[4] في أربع خزائن فرعية وهي: خزانة الحاج إبراهيم بن عبد العزيز بالمدرسة العتيقة "سيدي بوعبدلي" بأحواز مدينة تزنيت، وخزانة سيدي عيسى بن المحفوظ، وخزانة أخرى بقرية "تَمْكرْت"، وخزانة سيدي أحمد بن العربي الأدوزي والتي تم ترحيل الجزء الأكبر من أرصدتها من بلدة "تاسْنُّولت" إلى "تاسيلا" بمنطقة ماسة، كما قام ثلة من الباحثين[5] بمحاولة بيبليوغرافية لفهرسة مخطوطات هذه الخزانة والتي توجد في حوزة الأستاذ أحمد بــن عبد الرحمن فكري.

 يبلغ عدد الكتب المخطوطة بهذه الخزانة الفرعية 60 مخطوطا موزعة على الشكل الأتي:

- القرآن وعلومه: خمسة مؤلفات مخطوطات من ضمنها :" تفسير الواحدي" للحسن علي الواحدي  (تـ468هـ).

- الحديث وعلومه: أربعة عشر كتابا مخطوطا منها: " بهجة المحافل بالتعريف برواة الشمائل" لإبراهيم بن إبراهيم اللقاني (تـ1041هـ)

- أصول الفقه: ثلاثة مخطوطات منها: "شرح على فروق القرافي" مبتور الأول والآخر.

- الفقه: اثنان وثلاثون مخطوطا منها :"الحضيكي على الرسالة " لمحمد بن أحمد بن عبد الله الحضيكي (تـ1189هـ)

- السيرة النبوية: ستة مخطوطات منها: "الأنوار السنية في إسراء خير البرية" لمحمد بن يوسف بن علي.

3 - الخزانة المسعودية:

 تأسست هذه الخزانة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري على يد الشيخ مسعود المعدري- الجد الأكبر للأسرة المسعودية- الذي قام بشراء واستعارة العديد من الكتب وعمل على نسخها، و في هذا الصدد يقول عنه المختار السوسي: «... وكثيرا ما يستعير الكتاب فيجمع تلاميذه فينسخونه في يوم واحد»[6]، وهذا ما نتج عنه ارتفاع عدد الكتب بالخزانة زمن الشيخ حتى وصل عددها إلى أكثر من ألف كتاب، كما تعرضت هذه الخزانة كباقي الخزائن الأسرية لتقسيمات عدة من لدن أولاد الشيخ وأحفاده، فتوزعت محتوياتها بين منطقة "المعدر" و منطقة "بونعمان".

    سنحاول سرد بعض الكتب المخطوطة المتواجدة بأحد فروع الخزانة المسعودية الذي خلفها الشيخ مسعود بن محمد بن مسعود المعدري الفقيه الصوفي:

-  القرآن وعلومه: كتاب "بيان مذهب أبي عمر في الإدغام" لمؤلف مجهول.

- الحديث وعلومه: كتاب "شرح صحيح البخاري" لمحمد بن أحمد التيوتي الروداني السوسي.

-أصول الفقه: كتاب "التعويل في تحرير القول في التأويل" ليعيش بن الرغاوي بن محمد سعيد الشاوي.

- الفقه : كتاب "أجوبة متأخر فقهاء المغاربة" لمحمد بن أحمد بن مسعود البرجي الرسموكي .

- السيرة النبوية : كتاب "وتريات أبي بكر بن رشد البغدادي في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم" لمحمد بن رشيد بن محمد بن إدريس.

يتبع في العدد المقبل..

الهوامش:

 

[1] المعسول ج 8/5-30

[2] سوس العالمة :172

[3] ورد ذكرها عند  المختار السوسي في كتابه "سوس العالمة".

[4] ذكر المختار السوسي  في كتابه خلال جزولة ج 1/ 199 أنه  زار الخزانة الأدوزية ووقف فيها على بعض النوادر .

[5] ينظر بحث لنيل الإجازة بكلية الشريعة بأكادير، بعنوان مخطوطات العلوم الشرعية بخزائن سوس، محاولة بيبليوغرافية  إنجاز الطلبة : محمد بن الطالب، مسعود الحامدي، العربي البوهالي السنة الجامعية :1988-1989م

[6] سوس العالمة ص:168



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بالخزائن العلمية الأسرية بالجنوب المغربي (3)

وظيفة الإشارة في توصيل التنمذج

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس..(2)

الخـوف بلا رجـاء يأس وقنوط

الممارسة الصوفية والكمالات التحقيقية للعقل المؤيد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

وظيفة الإشارة في توصيل التنمذج

      إذا الغرض من التخليق هو كما قلنا التسلف العملي، وكانت وسيلته التحصيلية في ذلك هي التنمذج، فإن وسيلته التوصيلية فيه هي «الإشارة»، ومرادنا في هذا الموضع هو التدليل على الثانية:

      من المعلوم أن أهل التخليق يختصون بخطاب يتميز بسمتين جوهرتين:

    -أولاهما: أنه مزود بمعجم اصطلاحي تقني دقيق على معانيه إلا من اشتغل بعلم التخليق، وانخرط في سلك المتسلفين.

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس..(2)

    يطلق التصوف الإسلامي الذي حضي بمكانة متميزة في الفكر العربي والإسلامي على قبسات نورانية عريقة تمتد جذورها إلى التراث الروحي للدين الإسلامي الحنيف، وتمثل الركن الثالث من أركان الدين الثلاثة: بعد الإسلام والإيمان وهو مقام "الإحسان" وكما ورد في الحديث النبوي الشريف "الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وهو جوهر الشريعة الإسلامية ولبها الصافي ونبراسها الوافي يتفرع فيها السالك إلى عبادة الله الواحد الأحد بطهارة قلبه، ومحاسبة نفسه على خواطرها، والزهد في متاع الدنيا وملذاتها، والتعبير عن شوق الروح للتطهر بُغية الارتقاء في سُلَّم ومراتب الكمال والصفاء الرُّوحي المنشود.