دراسات وأبحاث

بين التوسط والتطرف، أي معيار؟ مآلات السؤال.. ومسؤولية الجواب الصوفي (1)

د.محمد الهاطي

باحث بمركز الإمام الجنيد

    قد يبدو للوهلة الأولى أن مفهومي التوسط والتطرف مفهومان مستقلان عن بعضهما من الزاوية المفهومية، وأنه لا دخل لأي منهما في تصور أو تعريف المفهوم الآخر؛ لكن من يُعْمِل النظر في هذين المفهومين يجد أن بينهما برزخا إشكاليا يُخضعهما لعدة ثنائيات متقابلة؛ منها الذاتية والموضوعية والإطلاق والنسبية والحتمية والسببية والجزاء والمسؤولية إلى غير ذلك من الثنائيات المتقابلة.

    أمام التعدد الدلالي والاختلاف المفاهيمي اللذين طالا ماهية كلا من التوسط والتطرف، تأتي الحاجة لإعادة طرح سؤال الوسطية في ارتباطه بالتطرف من جديد؛ باعتبارها (أي الوسطية)  مفهوما مركزيا يرتبط بمركزية الدور الحضاري للأمة الإسلامية غير المقترنة بعرق أو بلون... أمة المسؤولية التي تُمثل المجتمع الإنساني وتطلب الخير حيثما كان للإنسانية جمعاء، دون استثناء. غير أن مفهوم الوسطية -هنا والآن- أصبح يتخذ أبعادا متعددة ومتباينة، لاسيما في ظل التحولات الراهنة التي يشهدها العالم المعاصر، والإكراهات والتحديات التي تفرضها السياقات الإقليمية والدولية؛ هذه السياقات التي تتميز في معظمها بسيادة منطق التطرف والغلو على حسب خاصية الوسطية والاعتدال، وتَغَول منطق الصراع والتعصب للمواقف على حساب خاصية التسامح والتساكن، وفرض منطق التسيس والفوضى على حساب خاصية التأنيس والاستقرار. كلها آفات وتمظهرات لا يمكن تفسيرها بشكل اختزالي في عامل واحد، بل يمكن القول أن تضافر عوامل عديدة؛ من اختلاف وتباين المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى المهيمنة، وغياب النضج السياسي والفكري والديني لدى بعض الفاعلين، وتفشي الفساد السياسي وتدني دور المثقفين، وغياب ثقافة حل النزاعات، وتنامي الحركات الجهادية المتطرفة المدعومة من الخارج ومن بعض جماعات الضغط الدولي، وولوج الحركات الإسلامية على اختلاف تياراتها واتجاهاتها الحقل السياسي في عدة بلدان وغيرها من العوامل التي صيرت مفهوم الوسطية إلى "مفهوم هلامي" يصعب تحديد مدلولاته، بل تحول عند الكثيرين إلَى مجرد شعار يُرفع بشكل مكثف في المنتديات واللقاءات، ويستهلك بشكل يومي في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة مع قطع النظر عن جذوره ودلالاته وما يختزنه من إحالات رمزية ودلالية، بل أصبح  كل اتجاه يدعي بأن الوسطية ملك يمينه وحده، وكل وسطية تعارض أو تتعارض مع وسطيته فهي وسطية مُدعاة، وتطرف في ثوب وسطية، وبذلك وصلنا إلى ما يمكن تسميته بـ"صراع الوسطيات".

    أمام هذه السيولة الدلالية والاختلاف المفاهيمي الذي طال ماهية الوسطية الذي تحول في زمننا هذا إلى مفهوم تبسيطي مبتور وملتبس محكوم بشعور ساذج قائم على محض الإشباع الايديولوجي/ الفكراني، تأتي الحاجة إلى تقويم هذا المفهوم وفق رؤية إنسانية منفتحة. وذلك من خلال مبحثين؛ الأول خصصناه لنقد تعامل الخطاب الإسلامي المعاصر مع مفهوم الوسطية، والمبحث الثاني خصصناه لتقديم بعض عناصر الإجابة الصوفية عن سؤال الوسطية.

أولا: سؤال الوسطية والسياق المعاصر

إن الناظر في الخطاب الإسلامي المعاصرة والمتتبع لما خلفه رواده من كتابات وتراكمات حول الوسطية الإسلامية يجدها تنقسم في تعريفها للوسطية إلى ثلاث نزعات كبرى:

1- النزعة التبسيطية:  من مظاهر النزعة التبسيطية لمفهوم الوسطية أنها لا تكاد تخرج عن المعنى اللغوي البسيط الذي هو وسط بين طرفين؛ ومن ثم فهي تُلِح على فكرة الثنائيات وتقع في أسرها، بل تزعم أن الوسطية تحل كل معضلات. تلك الثنائيات التي أعيت الفلاسفة والعلماء السابقين؛ من جملتها هذه الثنائيات نجد الدين والدنيا، الروح والجسد، الذات والموضوع، المقاصد والوسائل، الثابت والمتغير، العقل والنقل، الاجتهاد والتقليد، الأصالة والتحديث إلَى آخر تلك الثنائيات الكثيرة التي ترد في كلام أصحاب هذه النزعة التبسيطية. ولعل أبرز  التعاريف التي نحت هذا المنحى نذكر التعريف الذي يعتبر الوسطية عبارة عن «التواسط أو العادل بين طرفين متقابلين أو متضادين ... مثال الأطراف المتقابلة أو المتضادة: الروحية والمادية، الفردية والجماعية، الواقعية والمثالية»[1]، أو  التعريف الذي يعتبرها مجرد «موقف ثالث.. وموقف جديد»[2]. غير أن ما يؤخذ على هذه التعاريف هو أنها تتماها بشكل كبير مع ما أخذت به الليبراليات الفردية والتي يمثلها "أنطوني جيدنز" الذي ينظّر إلى الوسطية على أنها طريق ثالث وصيغة لإعلان البراءة من التطرف أَو للتعبير عن يأس من المواقف الحادة والقاطعة توخيًا للاعتدال[3].

ثم إن الدخول في منطق الثنائيات نفسه، هو دخول في منطق تبسيطي ذي منحى توفيقي، أليق بالمنطق الدعوي والسياسي[4] منه بالمسلك التخليقي المعرفي، بل إن الوسطية بهذا المنطق تتحول إلى خيار ظرفي لمواكبة المتغيرات وإيديولوجية دفاعية في وجه التحديات.

2-  النزعة الظاهرية الحرفية: وهي نزعة جامدة على النص جمودا متشددا ومُغلقاً، ترفض التأويل وتُقصي العقل مطلقا، سواء بالاستنباط أو الاستدلال. وتركز هذه النزعة في تحديدها لمفهوم الوسطية على أربعة مجالات: مجال الاعتقاد بحيث يعتبر أصحاب هذا الاتجاه أن الأمة الوسط هي التي تلزم "بمذهب السلف" في الاعتقاد، أي التقييد باجتهادات الثالوث المقدس عندهم: ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وصولاً إلَى القول "بوسطية الفتوى"، و"وسطية الجهاد"، و"الوسطية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"[5]. والمتأمل في الخطاب الوسطي عند أصحاب هذه النزعة يدرك أن مفهوم الوسطية عندهم يرتبط ارتباطا وثيقا بلحظة نورانية طاهرة ظهرت في عتمة التاريخ بعد أن كان كالحًا؛ غير أن أصحاب هذا الاتجاه لم يستطيعوا أن يحول تصورهم لهذه اللحظة النورانية إلى نموذج أخلاقي ومعرفي قابل للتنزيل، يجيب عن الأسئلة الراهنة بدل أن يؤجلها.

وبالتالي فمفهوم الوسطية عندهم لا يكاد يخرج عن المستوى السطحي ليتحول فيما بعد إلى إيديولوجيا دفاعية تتغنى بأمجاد الماضي وتقتل الحاضر والمستقبل.

3- النزعة العقلانية الوضعانية: التي يدعو أصحابها إلى تحكيم "العقل المجرد" في التنظير العقدي والديني على حساب النقل، فيقع أصحاب هذه النزعة في "العدمية الروحية" المفضية
بدورها إلى إنعاشِ النزعة الدينية المتشدِّدة، ومن أبرز من يمثل هذا الاتجاه نجد الأستاذ  نصر حامد أبو زيد من خلال كتابه: "الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية" الذي اعتبر فيه الإمام الشافعي، أول من أسس لمفهوم الوسطية الفقهية وصاغها صياغة إيديولوجية لتصبح فيما بعد مفهومًا مركزيًا في الثقافة الإسلامية.  وقد وجه أصحاب هذا الاتجاه انتقادات لاذعة لكل من مفهومي الوسطية التبسيطي والوسطية الحرفية السطحية. غير أن نقد أصحاب النزعة العقلانية الوضعانية لمفهوم الوسطية  -في اعتقدنا- يحتاج هو الآخر إلى نقد، وخاص حين يدعي أصحاب هذا الاتجاه أن الوسطية تقدير عقلي محض، فلو كانت كذلك لكانت معقولة بذاتها. فمعرفة الحد الوسط أو الوسط الذهبي لا ينال بالتوهم بل بالدليل الشرعي الذي يقتضي إعمال "العقل المؤيد" لتنزيل الدليل الشرعي على الأمر الواقع.

يُتبع...


[1] يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، دار المعرفة، البيضاء، ص 127.

[2] محمد عمارة، معالم المنهج الإسلامي، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1991م، ص77.

[3] أنطوني جيدنز، بعيدًا عن اليسار واليمين، ترجمة شوقي جلال، الكويت: عالم المعرفة، عدد 286، أكتوبر 2002م.

[4] معتز الخطب، في نقد القول بالوسطية والاعتدال، مجلة التسامح، العدد 16 السنة 1427 هـ /2016 م .

[5] نفسه.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية

سيرا على النهج السديد الذي اختاره المغاربة منذ القديم في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وجريا على السنة الحميدة التي دأبت عليها مؤسسة المتلقي العالمي للتصوف والطريقة القادرية البودشيشية كل سنة، ستنظم المؤسسة بشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم (CEMEIA) الدورة الثانية عشرة...

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الملتقى العالمي الثاني عشر للتصوف: التصوف والدبلوماسية الروحية

الإسهام المغربي في التراث الإسلامي إسهام أخلاقي عمل المغاربة الخُلُقي في مصر نموذجاً

قبسات من درر العارفين (1)

الإخلاص سرُّ بين العبد وربّه

أهل الباطن وإبطال دعوى الذاتية والغموض

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

الإسهام المغربي في التراث الإسلامي إسهام أخلاقي عمل المغاربة الخُلُقي في مصر نموذجاً

    لقد عُرِف المغاربة في المشرق، منذ أن أخذوا يفدون عليه بعد الفتح الإسلامي، بالعكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، حتى فاقوا غيرهم عددا ومَدَدا في المجاورة بالحرمين الشريفين والحرم الأقصى، واشتهروا عند أهله بكونهم من أشد المسلمين تمسكا بالكتاب والسنة عند انتشار البدع وظهور الفساد، حتى وقر في القلوب أنهم هم المقصودون بالحديث الشريف: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"؛ كما شَهِد رجال الأخلاق بالمشرق لنظرائهم من المغاربة برسوخ القدم في التربية الخلقية والتزكية الروحية، وقدَّموهم على أنفسهم في إرشاد من يقصدهم، طلبا للتخلق والتحقق بمكارم الأخلاق.