دراسات وأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية: 12 الخير والبركة في قصة رضاع النبي صلى الله عليه وسلم

د.مصطفى بوزغيبة.

     كانت من عادة العرب أن تلتمس الرضعاء لأبنائها لما فيه من الفوائد الصحية والنفسية والشخصية على الرضيع، فهي تقوي أجسامهم وتشتد أعصابهم، وحصنا لهم من أمراض الحواضر، كما تجعلهم أكثر صفاء واتقادا، ويتقنوا اللسان العربي الفصيح في مهدهم.

     وقصة رضاعه صلى الله عليه وسلم ننقلها من خلال ما قصته حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي أبلغ من تحديث غيرها.

     تَقُولُ حليمة السعدية: أنها خَرَجَتْ مِنْ بني سعدٍ مَعَ زَوْجِهَا، وابنٍ لَهَا صَغِيرٍ تُرْضِعُهُ، في نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ بِمَكَّةَ، قالَتْ: وذَلِكَ في سَنَةٍ شَهْبَاءَ لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا، [ كانت سنة قَحْطٍ، وجَدْب لا خُضْرَة فيها لِقِلَّةِ المَطَر]، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَلَى أتَانٍ لِي قَمْرَاءَ [تعني على حمارَة أنثى شديدةِ البياض ]، وكان مَعَنَا شَارِفٌ لنَا [شارف: ناقة مُسِنَّة هرمة] وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ [يعني ما يَقْطُرُ منها لبن أبدا ]، ومَا نَنَامُ لَيْلَنَا أجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ منَ الجُوعِ، ومَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، ومَا فِي شَارِفِنا ما يُغَذِّيهِ. ولَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الغَيْثَ، والفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أتَانِي تِلْكَ، فَلَقَدْ أدَمْتُ بالرَّكْب [ يعني أنها أخَّرتْ الركب بسبب حمارها وهزاله وضعفه] حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الركب .

     حتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَتَأْبَاهُ، إِذَا قِيلَ لَهَا أَنَّهُ يَتِيمٌ، وذَلِكَ أنَّا إِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو المَعْرُوف والمالَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ، ومَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أمُّهُ وَجَدُّهُ؟ فكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ. فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الاِنْطِلَاقَ، والعودة لديار بني سعد، قُلْتُ لِزوجي: وَاللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي، ولَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ اليَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ.

     فقد استشعرت السيدة حليمة ضعفها وافتقارها فالتجأت إلى باريها، فأكرمها الله بأعظم خير وأفضل بركة وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يكون في حضنها، ملأ قلبها دفئا، وأنعش روحها، فذرت لبنا صافيا.

     وكأن المعنى كما يقول الصوفية: "وبالضعف نلنا جميع القوى"، وهكذا فضل الله لا يكون ولا يأتي إلا لمن تحقق بالذل والافتقار إلى الله تعالى، وفي الأثر لما سئل سيدنا موسى عليه السلام رب العزة: "(أين أبغيك؟) فأجاب عز من قائل: (ابغني عند المنكسرة قلوبهم)[1] "فليس الأمر بكثرة صيام وصلاة، وإنما الأمر بكثرة تذلل العبد إلى الله وانكساره بين يدي الله وهذا سر من أسرار القبول، ومفتاح من مفاتيح الوصول".[2]

فقَالَ زوجها: لا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً.

     فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته جريرة خضراء [حبل من الحبال المضفورة]، راقد على قفاه يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدا، فوضعت يدي على صدره، فتبسم ضاحكا، وفتح عينيه ينظر إليّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل عليه ما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فامتنع إلهامًا من الله تعالى، كأنه قد علم أن له في ذلك شريكًا فظهر منه حينئذ الإنصاف والفضل لأنه صلوات ربي وسلامه عليه جُبِل على الإحسان والعدل، فكان الأيمن يكفيه والثدي الأيسر لأخيه، ثم نَامَ النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، قالت حليمة: ومَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ [كثيرة اللبن ] فَحَلَبَ مِنْهَا وشَرِبَ، وشَرِبْتُ مَعَهُ حتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، ثم قَالَتْ حليمة: فقال زوجي حِينَ أصْبَحْنَا: تَعْلَمِي واللَّهِ يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قالَتْ: فقُلْتُ واللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ، قالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا ورَكِبْتُ أتَانِي، وحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا مَعِي، فَوَاللَّهِ لَقَطَعْتُ بِالرَّكْبِ.تقول : مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ .حتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَكِ أَرْبِعِي عَلَيْنَا [ارفُقِي وانتظرينا ]، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أتَانُكِ التِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟

فأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللَّهِ، إنَّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا.

     قالت: فكنت أسمع أتاني تنطق، وتقول: والله إن لي لشأنا ثم شأنا، بعثني بعد موتي، ورد عليَّ سمني بعد هزلي، ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة، وهل تدرين من على ظهري؟ على ظهري خيار النبيئين، وسيد المرسلين، وخير الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين.[3]

     قَالَتْ حليمة: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ، ومَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا [لا نَبَات فيها ]، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ [ ترجع في آخر النهار] حِينَ قَدِمْنَا بالقرشي مَعَنَا شِبَاعًا لُبّنًا، فَنَحْلِبُ ونَشْرَبُ ما شئنا من اللبن، وترجع أغنام القوم جياعا هالكة، وَمَا مِنَ الْحَاضِرِ أَحَدٌ يَحْلُبُ قَطْرَةً وَلَا يَجِدُهَا في ضَرْعٍ، فَيَقُولُ القوم لِرِعَائِهِمْ: وَيْلَكُمْ أَلَا تَسْرَحُونَ حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي حَلِيمَةَ، فَيَسْرَحُونَ فِي الشِّعْبِ الَّذِي تَسْرَحُ فِيهِ. فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ آخر النهار جِيَاعًا هالكة. مَا بِهَا مِنْ لَبَنٍ وَتَرُوحُ غَنَمِي لُبَّناً حُفَّلاً.

     قَالَتْ حَلِيمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يُرِينَا البَرَكَة والخير َونَتَعَرَّفُهَا، حتَّى بَلَغَ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَنَتَيْنِ .

وإذا سخر الإله أُناسا       لسعيد فإنهم سعداء

     فهنيئا لحليمة السعد الخير، بفوزها بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي أينما حل حل السعد والخير والفضل، نالت من بركاته وخيراته ما جعلها تستصعب الفراق، وأنى لمن حاز النور أن يفارقه؟ وأنى لمن ظفر بالحبيب أن يتخلى عنه؟ بل كيف تتخلى عن من كان سببا في سعادتها وإدخال السرور إلى بيتها؟ وكأن لسان حالها يُنشد ويقول:

اسْتَودِعُ الله فِي ذَاكَ الحِمَى قَمرٌاً *** بِحُسْنِهِ لِقُلوبِ النَّاسِ قَدْ قَمَرا

رَمَى فَأَرْمَى جِمَاَر الشَّوْقِ فِي كَبِدِي *** وَللوَدَاعِ وَقَفْنَا وَالكَرَى نفرَا

تَبَارَكَ الله مَا أَجْلاهُ منْ قَمرٍ *** بِنُورِ طلْعتِهِ قدْ حَيَّرَ الشُعَراَ

تُرَى تَعُودُ لَيالِي الوَصْل تَجْمَعُنَا *** وَيَبْلُغُ الصَّبُّ مِنْ أحْبابِهِ وَطَرَا

يا قَلْبُ هَذا الذي قَدْ كُنْتُ أحْذَرُهُ *** صَبْراً عَلَى مَا قَضَى طَوْعًا لمِاَ أَمَرَا

     ولكن لطف الله حل على قلبها، وكان من نصيبها الظفر بمزيد من القرب والوصال من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

     قالَتْ حَلِيمَةُ: فَقَدِمْنَا بهِ عَلَى أُمِّهِ زَائِرِينَ لَهَا، ونَحْنُ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ، فكَلَّمْنَا أُمَّهُ، وقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَرَكْتِ بُنَيَّ عِنْدِي حتَّى يَغْلَظَ، فإنِّي أخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ.

قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حتَّى رَدَّتْهُ مَعَنَا.

     ثم عَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مرة أخرى  إلى بَادِيَةِ بَنِي سَعْدٍ، في أتم نعمة وأكمل حال.

هــــوامش

 

[1] كتاب الزهد، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: محمد جلال شرف، دار النهضة العربية، 1981م، بيروت لبنان، 130.

[2] الدرر الغزالية شرح الحكم العطائية، الشيخ حازم نايف أبو غزالة، دار الياقوت، الطبعة الأولى، 1335هـ/2014م، الأردن، 99.

[3] نفائس الدرر من أخبار سيد البشر، 1/ 156.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية (15)

نفحات روحية من السيرة النبوية (14)

شروح دلائل الخيرات (6)

نفحات روحية من السيرة النبوية: (13)

شروح دلائل الخيرات (5)

شروح دلائل الخيرات (4)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









نفحات روحية من خلال السيرة النبوية 15 الحبيب صلى الله عليه وسلم وحاله مع جده عبد المطلب

بعد وفاة السيدة آمنة رضي الله عنها في الأبواء، عادت السيدة بركة الحبشية رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فكفله جده عبد المطلب، الذي رق له رقة لم يرقها لولد غيره، وكان عبد المطلب سيدا جليلا مهابا في قومه، و"كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام...

نفحات روحية من السيرة النبوية 14

    عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من ديار بني سعد، إلى حضن أمه، وموطن حنانه، سعيدا فرحا مؤيدا، ولما بلغ سنه صلى الله عليه وسلم السادسة حن أهل البيت الشريف إلى زيارة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم من بني عدي بن النجار، وكذا زيارة قبر